هل يصبح الخليج منجم الذكاء الاصطناعي للعالم؟
لماذا قد ينتقل ثقل الذكاء الاصطناعي إلى الخليج في العامين القادمين
تحكي الأساطير أنه خلال “طفرة الذهب” التاريخية، كان الرابح الأكبر بائع المعاول وليس من حفر بحثاً عن الذهب.. وفي طفرة الذكاء الاصطناعي خلال العامين الفائتين لعبت Nvidia هذا الدور ببراعة، فكانت تبيع الرقائق \ الشرائح لكل الشركات الكبرى في المجال..
لكن إذا أردت استخدام معاول Nvidia، ستحتاج أرضاً لتحفر فيها عن الذهب، أو مراكز بيانات Data Centers.. ولبنائها تحتاج لمكان آمن، مساحة واسعة، ومصادر طاقة ضخمة لتشغيلها..
ولتوضيح الفكرة، مراكز البيانات ليست مجرد مساحات تخزين بيانات سحابية، هي المكان الذي تتدرب فيه نماذج الذكاء الاصطناعي، وهذا يتم على بيانات ضخمة ويصرف طاقة أضخم..
نظرة سريعة على السياق:
تاريخياً كانت هذه المراكز تتمركز في مناطق معتادة مثل فيرجينيا في أمريكا، ولندن وفرانكفورت.. لكن هذا التكدس خلق كارثة لم تكن متوقعة: كانت المراكز تلتهم الكهرباء بشراهة وصارت تنافس السكان المحليين على الشبكة الكهربائية المتهالكة والغالية أصلا.. قبل شهرين كشف تحقيق لـBloomberg عن رقم صادم: ارتفعت أسعار الكهرباء في المناطق المكتظة بمراكز البيانات بنسبة تصل إلى 267% مقارنة بأسعارها قبل خمس سنوات..
تخيل أن تدفع أنت كمواطن ضريبة تطور الذكاء الاصطناعي من جيبك عبر فاتورة كهرباء تزيد باستمرار. بالإضافة إلى العبء على جيب السكان، العبء نفسه على الشركات المشغلة التي تريد كهرباء أرخص، إذا توفرت أساسً في بعض الأحيان كما سيمر معنا:
أصدرت أيرلندا الشهر الماضي (ديسمبر 2025) قانوناً يجبر مراكز البيانات الجديدة أن تولد طاقتها الكهربائية ذاتياً لتخفف العبء عن جيوب السكان (للتفاصيل). تستهلك مراكز البيانات حوالي ربع الطاقة الكهربائية في أيرلندا!
أفادت شبكة (PJM Interconnection) بفشلها في تأمين كامل احتياجات الطاقة لعام 2027، مرجعة ذلك إلى القفزة الهائلة في طلب مراكز البيانات التي قُدرت بـ 5100 ميجاوات إضافية، مما يهدد بحدوث انقطاعات في التيار الكهربائي وارتفاع التكاليف على المستهلكين (للتفاصيل).
أفاد تقرير لـBloomberg في الأسابيع الأخيرة أن بعض مراكز البيانات في أمريكا عاطلة بعد أن انتهت عملية البناء، بسبب عجزها عن تأمين الكهرباء اللازمة (للتفاصيل).
وغيرها الكثير من الأخبار التي تتحدث عن تشريعات جديدة أو قيود مفروضة على مراكز البيانات في أوروبا والولايات المتحدة..
الحل الخليجي: العصا السحرية
في وجه كل هذه المصاعب في وجه شركات الذكاء الاصطناعي تبرز دول الخليج كعصا سحرية: وفرة في الطاقة وأسعار ممتازة.
فتصبح القصة ببساطة: لماذا نبني مركز البيانات في مدينة الكهرباء فيها قليلة وغالية، بينما يمكنني بناؤها في الخليج عند منبع الطاقة، حيث التكلفة أقل والوفرة مضمونة؟ وبالطاقة لا نعني النفط فقط، بل كذلك الطاقة الشمسية التي تعمل السعودية بشكل حثيث على زيادة إنتاجها فيها..
الرسم البياني أدناه يوضح الفجوة التي يجب تراهن عليها دول الخليج. لاحظ كيف تقبع الأسواق الغربية في منطقة الخطر (غلاء وشح)، بينما تنعم أسواقنا بفرصة ذهبية (وفرة ورخص).
الوضع الحالي:
تشير آخر التقارير أن منطقة الخليج ككل فيها حالياً 110 مراكز بيانات يتركز معظمها في السعودية والإمارات.. ولكن مع الأزمات السالف ذكرها في الدول الأوروبية سنعود بعد عام لنجد أن العدد تجاوز 200 مركز، وأقول مثل معلقي كرة القدم: “ألم أقل لكم أن هذا سيحدث”!
كانت الـCNN أيضا قد نشرت تحليلاً في نوفمبر الماضي مفاده أن السعودية تطمح من خلال Humain (شركة الذكاء الاصطناعي المدعومة من صندوق الاستثمارات PIF) أن تصبح ثالث قوة عالمية في الذكاء الاصطناعي خلف الصين وأمريكا.. هذا يعني بطبيعة الحال أن يتزايد بناء مراكز البيانات..
خبر آخر نشرته رويترز أواخر ديسمبر أن قطر تسعى للحاق بركب سباق مراكز البيانات من خلال استغلال ميزة الطاقة الكهربائية الرخيصة والاستثمارات الإضافية في الطاقة التي يمولها صندوقها السيادي..
المصاعب التي قد تواجه هذا الطموح:
يواجه هذا الطموح الضخم عقبتان رئيسيتيان، ولا يوجد طموح دون مصاعب، يقول المتنبي: لولا المشقة ساد الناس كلهمُ!
المشكلة الأولى التي قد تخطر على بال أي منا: كيف يمكن تشغيل أجهزة كومبيوتر عملاقة تولد حرارة مهولة في مناطق صحراوية تصل حرارة الجو فيها صيفاً إلى 50 درجة؟
لتبسيط المسألة: تخيل أنك تلعب على (Gaming PC) بأعلى دقة، ستسمع صوت المراوح يرتفع والجهاز يسخن. الحل التقليدي هو تبريد الغرفة بمكيفات لخفض حرارة الجهاز، وهذا إذا طبقناه يعني حرق أموال ومياه طائلة على مستوى مراكز البيانات..
الحل هو التبريد السائل أو Liquid Cooling بدلاً من تبريد الهواء، حيث يتم غمر الرقائق \ الشرائح داخل سائل خاص، والذي يمتص الحرارة بكفاءة، وهذا هو الحل المتبع في بعض مراكز البيانات في الخليج حالياً.
العقبة الأصعب: لا تزال أمريكا تفرض بعض القيود على تصدير بعض شرائح Nvidia الأعلى كفاءة لمنع وصولها إلى الصين، ومن ضمن هذه القيود تقييد تصديرها إلى الشرق الأوسط خوفاً من وصولها إلى الصين.. لكن قبل شهر قام ترامب بحلحلة بعض هذه القيود التي فرضت في عهد سلفه وسمح بتصديرها مع بعض الشروط..
الخلاصة:
قد يحدث العام المقبل والذي يليه انقلاباً في موازين الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ولم لا تكون النماذج الكبرى القادمة مدرَّبَة في منطقتنا بشكل كبير..
إذا وجدت هذا التحليل مفيداً، لا تنس الاشتراك لتصلك التحليلات والنشرات القادمة مباشرة إلى بريدك ولدعم الجهد المبذول في كتابتها.
تنويه: الآراء والتحليلات الواردة أعلاه هي شخصية ولا تمثل مكان عملي وكل البيانات والمعلومات التي تم تحليلها واستخدامها متوفرة للعامة.



