التسويق للخوارزميات: حين يكون زبونك القادم روبوت بلا عيون
هل أن مستعد لبيع منتجاتك لعملاء لا يرون إعلاناتك؟
قبل البداية: وقفة مع أسبوعك الفائت
دعنا نبدأ بسؤال بسيط: حاول أن تسترجع كم مرة استخدمت الذكاء الاصطناعي خلال أسبوع العمل الماضي؟
ربما طلبت منه تلخيص مقال طويل لا تملك الوقت لقراءته، أو صياغة رد دبلوماسي على إيميل مزعج.. وإذا كنت من محترفي التقنية فربما استخدمته كمساعد أو وكيل برمجي أو بنيت أداة سريعاً من خلال الـVibe Coding..
أظن أننا جميعاً بدأنا نعتمد على هذه الأدوات لمساعدتنا في العمل.. لكن كل المؤشرات تدل على أنه لن يكتفي بدور المساعد، بل سيتولى دور القيادة في كثير من المهام.
وهذا يمهد لموضوعنا، وللهبة القادمة في عالم الذكاء الاصطناعي للعام القادم والذي يليه: وكيل الذكاء الاصطناعي (Agentic AI).
من صناعة المحتوى إلى اتخاذ القرار
طوال الأشهر والأسابيع الماضية، كان حديث المسوقين يدور عن استخداماتهم للذكاء الاصطناعي وكيف يساعدهم في الإبداع.. وشاهدنا كيف أن أدوات رهيبة مثل Midjourney والنماذج المتطورة مثل Veo 3 و Nano banana وSora ساعدت في الجانب الإبداعي وغيرت قواعد التصميم للمسوقين..
أعرف شخصياً كثيراً من المسوقين الذين استخدموا Nano Banana لتحسين صور منتجاتهم المعروضة على مواقعهم، بل وحتى تصميم إعلاناتهم.. لكن الملفت أن شركات كبرى صارت تستخدم هذه الأدوات لإنتاج إعلاناتها..
ولعل أبرز مثال هو ما فعلته سامسونج مؤخراً، حيث استخدمت نماذج Google Gemini لإنشاء إعلانات إبداعية رهيبة.
لكن تشير التوقعات أن هذه التغيرات ما هي إلا بداية، وأن تغييراً سينقلنا من “كيف نبيع البشر باستخدام الذكاء الاصطناعي” إلى “كيف نبيع الذكاء الاصطناعي نفسه”.
سوق الوكلاء القادم: هل أنت مستعد لعميل يمتلك 25% من القرارات؟
تشير تقديرات Gartner إلى أنه بحلول عام 2030 سيتم تفويض ما لا يقل عن 25% من إجمالي عمليات الشراء والتي تقدر إجمالي قيمتها بـ30 تريليون دولار لمن أسمتهم زبائن آليين..
تخيل السيناريو التالي: في المستقبل القريب لن يقوم مدير المشتريات في الشركة بالبحث عن "أفضل نظام CRM" أو "أرخص تذاكر طيران لرحلة عمل"، بل سيكلف وكيلاً ذكياً (AI Agent) بهذه المهمة..
هذا الوكيل الذكي، لن يتأثر بإعلانك العاطفي، ولن يهتم بألوان شعارك، ولن تُضحكه النكتة التي ضمنتها في إعلانك.. هنا سينقسم التسويق لأول مرة في التاريخ إلى مسارين منفصلين:
التسويق للبشر: يعتمد على العاطفة والقصة والعلامة التجارية.. وهذا سيشكل 80% من الجهد و75% من المداخيل..
التسويق للوكلاء: يعتمد على المنطق والبيانات، ويستهدف 25% من عمليات الشراء.
هذا ما حصل بالأمس:
كتبت هذه النشرة نهاية الأسبوع الفائت، لكن جوجل أعلنت يوم أمس في تغريدة نشرها المدير التنفيذي سوندار بيتشاي على موقع X أنها أتمت عقد شراكة مع كل من Shopify, Etsy, Target, Wayfair, and Walmart لإطلاق UCP، وهو اختصار لـ Universal Commerce Protocol (بروتوكول التجارة العالمي).
هذا البروتوكول سيشكل لغة موحدة جديدة تسمح للذكاء الاصطناعي (مثل Gemini أو بحث جوجل \ AI Mode) بالتحدث مباشرة مع المتاجر الإلكترونية لإتمام عمليات الشراء نيابة عن المستخدم.
نشرت جوجل في إعلانها مثالاً عن كيف يمكن أن تتم عملية بسيطة باستخدام وكيل الذكاء الاصطناعي على جوجل في القريب العاجل:
كيف تستعد لهذا المستقبل؟
إذا كان عميلك القادم خوارزمية تتحكم في ربع إيراداتك، فهذا سيغير من عمل المسوقين التقليدي:
موت الـLanding Page (أو صفحة الهبوط: أكره ترجمتها بهذه الطريقة).
وهنا لا أقصد الموت الحرفي، لكن في العقدين الماضيين كانت صفحات الهبوط (وهي الصفحة الأولى التي يزورها الزبون بعد أن يضغط على الإعلان) في لب اهتمام المسوقين، نضع فيها صوراً جذابة للمنتج، ومراجعات العملاء، وغيرها لدفع الزائر (البشري) للشراء.. لكن الزبون الآلي لا يهتم لكل هذا، هو لا يريد أن يتصفح موقعك بقدر ما يريد أن يصل إلى API Endpoint (تعريف مبسط: عنوان معين على موقعك، حيث يمكن للزائر الآلي أن يجد إجابات لأسئلته دون أن يحمّل أي صفحة فعلية على موقعك). فالشركات التي ستنجح، هي تلك التي ستوفر واجهة خلفية نظيفة تمكن وكلاء الذكار الاصطناعي من سحب الأسعار والمواصفات بشكل لحظي..
قوة البراند ليست في المشاعر فحسب
نحن كبشر نشتري مدفوعين بالعواطف والأحاسيس، ومهم ادعينا العقلانية والرشد يبقى قرار الشراء في معظم الأحيان متأثراً بعوامل مختلفة غير عقلانية (بشكل أو بآخر).. أما وكيل الذكاء الاصطناعي يشتري بناء على معايير يحدد من خلالها موثوقية العلامة من عدمها.. مثلاً: هل معلومات التوصيل واضحة؟ هل السعر موجود على العلن أم يجب على العميل أن يملأ ألف نموذج حتى يحصل على السعر؟ هل شهادات العملاء موثوقة أم مضافة بشكل يدوي؟ كل هذا يساعد في بناء قوة البراند للوكيل، لأنه سيبني مؤشر ثقة بمعايير معينة يحكم من خلالها إن كان سيشتري منك أم من غيرك!
نصائح عملية: للاستعداد لـ2026 وما بعدها
إذا كنت مسوقاً، إليك هذه النصائح الثلاثة للبدء (أضفت الثالثة بعد إطلاق جوجل لـUCP يوم أمس):
هل بنيتنا التحتية جاهزة: وهذا سؤال عليك أن تطرحه لفريق التقنية في شركتك: لو حاول كود برمجي شراء منتجنا الآن، هل يستطيع دون تدخل بشري؟. إذا كان الجواب “لا” فأنت تمنع عملاء المستقبل من الدخول.. ولا بد أن هناك حلولاً تقنية تستطيع التفريق بين البوت الوهمي وبين وكيل الذكاء الاصطناعي.
استراتيجية المحتوى: بدلاً من صب كل الجهد على المحتوى التسويقي الذي يخاطب المشاعر، حاول أن تهتم أيضاً بنشر محتوى عقلاني على الموقع، مثل المقالات البحثية وجداول البيانات وغيرها.. فالذكاء الاصطناعي يثق بالحقائق، فلو كان يبحث عن منتج يساعد في حل مشكلة معينة فسيصدق الموقع الذي يعرض كل الحقائق، لا الموقع الذي يخاطب المشاعر والعواطف، أو من لديه أهضم وأطرف إعلان..
هل الـMerchant Center عندك جاهز: لم يعد Google Merchant Center مجرد أداة لعرض المنتجات، بل سيصبح هو الكتالوج الأساسي الذي يعتمد عليه الذكاء الاصطناعي للشراء. تخيل أن الـAI هو متسوق شخصي، إذا كانت بياناتك (مثل السعر، توفر المخزون، أو وصف المنتج) غير دقيقة أو ناقصة، سيتجاهلها هذا المتسوق فوراً ويذهب للمنافس الذي يملك بيانات نظيفة وواضحة.. باختصار: في عصر UCP، جودة بياناتك هي التي تقرر هل ستتم عملية البيع أم لا، دون أي تدخل بشري.
إذا وجدت هذا التحليل مفيداً، لا تنس الاشتراك لتصلك التحليلات والنشرات القادمة مباشرة إلى بريدك ولدعم الجهد المبذول في كتابتها.
تنويه: الآراء والتحليلات الواردة أعلاه هي شخصية ولا تمثل مكان عملي وكل البيانات والمعلومات التي تم تحليلها واستخدامها متوفرة للعامة.




