انتهى شهر العسل التقني
لماذا استسلمت OpenAI لإغراء الإعلانات؟
"إن إعلانات جوجل تعتمد على أداء جوجل السيئ". بهذه الكلمات، لخص سام ألتمان فلسفته قبل أشهر، منتقداً كيف يضطر المحرك التقليدي لإخفاء الإجابة ليدفعك للنقر على الإعلان. لكن اليوم، وفي مطلع عام 2026، يبدو أن OpenAI قررت "ترجع عن كلمتها" وتبدأ بعرض الإعلانات لمستخدمي ChatGPT.
تشتهر في عالم الأعمال عبارة "إذا لم تدفع ثمن المنتج، فأنت المنتج" في التعبير عن استهلاكنا لوسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل المجانية التي تستفيد من تواجدنا لتبيعنا الإعلانات (أو لتبيع بياناتنا للمعلنين).
وللوهلة الأولى، ظننا أن الذكاء الاصطناعي قد كسر هذه القاعدة، لكن الواقع الاقتصادي فرض نفسه.
لغة الأرقام: معركة الحصص السوقية (2023-2025)
لماذا الآن؟ ببساطة، لا تمتلك Open AI رفاهية الاستمرار في حرق الاستثمارات على تشغيل نماذجها بالشكل الحالي.. حتى الاشتراكات الشهرية لا يمكن أن تغطي تكلفة الحوسبة وتشغيل النماذج، خصوصاً مع خسارتها المستمرة لحصتها في سوق الشركات.. حيث تشير التقديرات أن Open AI كانت تمتلك 50% من سوق الشركات في عام 2023 وصارت بنهاية 2025 في المركز الثاني خلف Anthropic بحصة بلغت 27% وتكاد تفقد المركز الثاني لـGoogle التي نمت حصتها لـ21%.. بينما تحلق Anthropic بحصة بلغت 40%..
وبتركيز Anthropic على سوق الشركات مبكراً استطاعت أن تولد 80% من دخلها من عملاء الأعمال. وإذا قمنا بمقارنة دخلها مع Open AI التي تمتلك عدداً هائلاً من المستخدمين (32 ضعف مستخدمي Claude من Anthropic)، نجد أنها بالكاد تجلب ضعف دخلها..
كنت أستمع مقابلة لـ(سكوت جالاوي Scott Galawy) هذا الأسبوع يرى فيها أن شركات الذكاء الاصطناعي وصلت إلى طريق يصعب فيه تحقيق الربحية إلا من خلال التركيز على سوق الشركات. وأشار لتوقع أحد المحللين، أن أمام Open AI هذا العام طريقين لا ثالث لهما: أن تحقق قفزة نوعية في سوق الشركات (شخصياً أستبعد هذا الخيار وبشدة)، أو أن تواجه الإفلاس، لأن الاعتماد الكلي على اشتراكات المستهلكين لا يمكن أن يبرر التقييمات الخرافية للشركة..
وبهذا أتت الإعلانات لتكون هي طوق النجاة لـOpen AI لتتمكن من الاستمرار في توفير الخدمة لهذا العدد الهائل من المستخدمين (المجانيين أو المدفوعين).. وباختيارها لنموذج الإعلانات تعترف بشكل غير مباشر بفشلها بتحقيق الذكاء العام (في المدى المنظور على الأقل).. وبهذا يصبح Chat GPT منصة إعلانية مثل Google Search..
قبل أيام سئل ديميس هسابيس المدير التنفيذي لـGoogle Deepmind (ذراع جوجل في الذكاء الاصطناعي وعقلها المدبر) عن إذا ما كان يخطط ليضع إعلانات في Gemini أم لا، فنفى أي نية لإضافة الاعلانات في المدى القريب، وعلق على قرار Open AI: من المثير للاهتمام أنهم قرروا الذهاب في هذا الطريق باكراً، ربما احتاجوا لجني بعض المال.. (المصدر)
هل وصلنا إلى سقف الذكاء الاصطناعي؟
هناك طرح جريء يتداوله مجتمع التقنية: هل لجوء OpenAI للإعلانات يعني أننا وصلنا لمرحلة من "الركود" في تطوير النماذج؟ إذا كان GPT-5 (أو ما يوازيه في 2026) لا يقدم قفزة نوعية تبرر رفع سعر الاشتراك، فإن الحل الوحيد لزيادة الدخل هو تحويل الواجهة إلى مساحة إعلانية. في عالم الاستثمار، هذا يسمى "تحويل المنتج إلى سلعة" (Commoditization).
هامش: كان إيليا ستسكيفر (أحد مؤسسي Open AI وأحد موظفي جوجل القدامى في قسم الذكاء الاصطناعي) خرج في مقابلة يتحدث فيها عن وصول الذكاء الاصطناعي للحد الأقصى من التطور بالشكل الحالي للذكاء (النماذج اللغوية الضخمة LLM).. للمشاهدة
فرصة ذهبية لمسوقي الشركات الصغيرة SMBs
تاريخياً، تكون البدايات في المنصات الإعلانية هي الأربح. مثلاً بدايات إعلانات Google في 2002، أو TikTok في 2020.
تكلفة أقل: في الأشهر الـ 18 الأولى، ستكون المنافسة ضعيفة لأن الشركات الكبرى تخشى على “سلامة علامتها التجارية” في منصة جديدة. وعادة ما يكون كبار المعلنين بطيئين جداً في اتخاذ القرارات في حالات كهذه..
الخلاصة: هل يكتفي ChatGPT بأن يكون “جوجل الجديد”؟
المفارقة اليوم هي أن OpenAI تسلك طريقاً مشابهاً لجوجل، لكنها تحاول تجميله بتسميته "توصيات مدعومة". السؤال الذي يطرحه كل مستخدم الآن: هل سنستقبل نصيحة طبية أو مالية من ChatGPT إذا عرفنا أن هناك شركة أدوية أو بنكاً دفع ليظهر اسمه أمامنا؟.
إذا وجدت هذا التحليل مفيداً، لا تنس الاشتراك لتصلك التحليلات والنشرات القادمة مباشرة إلى بريدك ولدعم الجهد المبذول في كتابتها.
تنويه: الآراء والتحليلات الواردة أعلاه هي شخصية ولا تمثل مكان عملي وكل البيانات والمعلومات التي تم تحليلها واستخدامها متوفرة للعامة.


