سباق الذكاء الصناعي: هل يصبح عرش ChatGPT مهددا؟
كيف استطاعت جوجل العودة إلى السباق.
كان عام 2025 هو العام الذي شهد التغييرات الأكبر في عالم الذكاء الاصطناعي، فلم يعد استخدامه حكراً على طبقة التقنيين أو المحترفين، بل صار شيئاً يستخدمه العوام في حياتهم اليومية بطرق استخدام مختلفة.. وكانت ChatGPT حازت قصب السبق في بداية السباق وصار اسمها عند الناس مرادفاً للذكاء الاصطناعي..
لكن السباق الذي ظنناه قصيراً تبين أنه ماراثون، وفي الماراثون يبدأ السباق الحقيقي عند الكيلو الثلاثين، وأظن أننا حتى اللحظة لم نصل للكيلو العشرين بعد.. إذ تكشف التحولات التي حصلت في النصف الثاني من هذا العام أن لعبة النفوذ يعاد تشكيلها بشكل بطيء.. فلم تكن نهاية العام وردية لسام ألتمان وفريقه - بل كانت حمراء - كما نقلت التسريبات على لسانه..
نمو ChatGPT والسقف الزجاجي (Plateau): لا شك أن ChatGPT حقق نمواً هائلاً منذ انطلاقته، حيث وصل حتى الآن إلى 800 مليون مستخدم، ولكن يبدو أن النمو من هذه النقطة سيكون أصعب.. أتوقع شخصياً أن تعلن OpenAI عن وصولها عتبة المليار مستخدم عما قريب، لكن الرحلة بعدها ستكون أصعب بكثير، فالمنصات مثل فيسبوك وبحث جوجل ويوتيوب وانستجرام وواتساب وكروم هي الوحيدة التي يتجاوز عدد مستخدميها 2 مليار، وقد وصلت هذا الرقم بعد أن أصبحت عادة يومية لمستخدميها بسنين طويلة.. أما ChatGPT (وكل تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأخرى) لمّا تصبح عادة يومية لمستخدميها بعد..
حصة سوق الزيارات على الويب (الربع الرابع 2024 مقابل 2025)
مقارنة بين حصة ChatGPT على الويب التي تراجعت رغم النمو المطلق، وصعود Gemini الصاروخي الذي ضاعف حصته بأكثر من ثلاث أضعاف خلال عام واحد. المصدر قوة نظام Gemini بمحيطه البيئي (Ecosystem): على الجانب الآخر، كانت جوجل تحاول اللحاق بركب سباق الذكاء الاصطناعي بعد أن تأخرت في إطلاق منتجها إلى السوق، ثم أطلقت Bard بعد أن تلقت عدة ضربات من السوق، وصاحب إطلاقه بعض المشاكل، فدخلت جوجل الساحة متأخرة عن غيرها رغم وجود الإمكانات اللازمة لإطلاق المنتج الأفضل.. لكنها بعد عامين من التجربة والفشل استطاعت العودة إلى السباق وقتلت التطبيق سيء السمعة Bard وصار Gemini هو الأساس.. صاحب هذا العديد من التغييرات الهيكلية الداخلية في جوجل لزيادة الفاعلية والتركيز على إطلاق منتجات أفضل.. وفي 2025 كانت جوجل قد دمجت Gemini في كامل النظام البيئي، فصار بإمكان المستخدم أن يسأل جيميناي من داخل جيميل أو Google Docs وغيرها دون الحاجة للتنقل بين الصفحات لاستخدام التطبيق.. وصاحب هذا استبدال مساعد جوجل على هواتف أندرويد بجيميناي ليكون المساعد التلقائي..
لكن الأهم من هذا، أن البيانات السابقة الذكر تتحدث فقط عن حصة الويب، فتقيس هذه الأرقام الزيارات المتعمدة، وليس الاستخدامات العرضية المدمجة في تطبيقات جوجل المختلفة أو المساعد على أندرويد.. بل يعني هذا أن المستخدمين يختارون بوعي الذهاب إلى Gemini كوجهة مفضلة، وهو مؤشر يجب على المنافسين القلق منه.محركات النمو الأساسية (Nano Banana و Veo3): لم يأت صعود Gemini من فراغ، فقد ساهمت عدة تحسينات استراتيجية أجريت على Gemini في بناء الزخم لعلامته التجارية.. كان إطلاق Veo3 هو أول حدث كبير جعل من Gemini اسما يتداول بين العامة، إذ أحدث نقلة نوعية مقارنة بنماذج الفيديو الأخرى، وكان حديثه بلغات العالم المختلفة ومعرفته للهجات بمثابة استعراض عضلات تقني لفت انتباه السوق التقني والمطورين للتنبه إلى Gemini.. والدرس المستفاد هنا هو أن المستخدم النهائي لا تبهره الكثير من التفاصيل التي تتعلق بقوة النموذج إذا كانت غير محسوسة، فما يهمه هو سهولة استخدام المنتج وتقديمه شيئاً جديداً مبهراً.. لكن “هبة” Veo3 ما لبثت أن خبت، فلم ينتقل عدد أكبر بكثير من العوام إلى Gemini..
وعند بنانة الخبر اليقين: كانت نقطة التحول الحقيقية هي في نموذج نانو بانانا لتوليد الصور، لم يكن مجرد تحديث تقني، بل شكل ظهوره ترند على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة بقدرته المذهلة في الحفاظ على تفاصيل الصور وفهمه للتفاصيل المختلفة.. ثم جاء إطلاق Nano Banana Pro بعدها في نوفمبر قفزة جديدة في عالم توليد الصور، فكان النموذج قادراً على دمج النصوص داخل الصور بطريقة مذهلة، ولا زلت شخصياً منبهراً من قدرته على توليد الصور بخطوط عربية مميزة مثل الثلث وغيره..سبتمبر وتغير القواعد: انعكست هذه الاطلاقات بوضوح في مؤشرات بحث جوجل (Google Trends)، حيث تضاعفت عمليات البحث عن Gemini بمقدار 10 أضعاف خلال أسبوع الذروة في سبتمبر مقارنة بالأسابيع السابقة.. ورغم أن هذا الاهتمام انخفض تدريجياً بعد انتهاء الموجة الأولى لنانو بانانا، إلا أن “خط الأساس” أو الـbaseline الجديد استقر عند مستوى أعلى بكثير.. فعمليات البحث الأسبوعية بعد سبتمبر أصبحت تعادل 3 أضعاف ما كانت عليه قبله.. وجاء إطلاق Nano Banana Pro في نوفمبر ليعزز هذا الزخم بموجة جديدة من الاهتمام، ليؤكد أن Gemini ينمو بثبات، وأن الأمر ليس مجرد ترند أو هبة عابرة..
مؤشر الاهتمام بـGemini خلال عام 2025

يُظهر الرسم البياني القفزة الهائلة (10 أضعاف) في سبتمبر مع إطلاق "Nano Banana"، وكيف استقر الاهتمام عند مستوى أساسي جديد أعلى بـ 3 أضعاف مما كان عليه في بداية العام. الخلاصة: سنكون أمام مشهد جديد في 2026، إذ لم يعد ChatGPT اللاعب الوحيد في الساحة. تمكنت جوجل من تقليص الفجوة التقنية في النصف الثاني من 2025، وذلك من خلال قدرتها الهائلة في التوزيع والوصول، والأهم القدرة على الابتكار وتجاوز “معضلة المبتكر” حتى الآن.. سيكون عام 2026 عاماً حاسماً في تحديد من سيتربع على عرش الذكاء الاصطناعي..
هامش: من باب المبالغة، توقع نيلاي باتيل كبير محرري The Verge وأحد مؤسسيها أن لا تكون شركة OpenAI موجودة بحلول نهاية 2026.. قالها في حلقة توقعات العام المقبل من البودكاست.. هي مبالغة طبعا، لكن مسألة طريق ChatGPT إلى الربحية هي من أكبر معضلات عالم التقنية للعام القادم..
إذا وجدت هذا التحليل مفيداً، لا تنس الاشتراك لتصلك التحليلات والنشرات القادمة مباشرة إلى بريدك ولدعم الجهد المبذول في كتابتها.
تنويه: الآراء والتحليلات الواردة أعلاه هي شخصية ولا تمثل مكان عملي وكل البيانات والمعلومات التي تم تحليلها واستخدامها متوفرة للعامة.

