هل يقتل الذكاء الاصطناعي الويب؟
الظاهرة التي يتجاهلها الجميع
هل سألت نفسك مؤخراً: متى كانت آخر مرة ضغطت فيها فعلياً على رابط “أزرق” في نتائج بحث جوجل لتعرف أكثر عن موضوع ما؟ أو حتى على تطبيقك المفضل للذكاء الاصطناعي!
نحن نعيش لحظة مفصلية في تاريخ الإنترنت، لكنها تحدث بهدوء شديد. بينما ينشغل الجميع بالحديث عن قدرات الذكاء الاصطناعي التقنية، هناك قصة أهم تدور في الخلفية وتغيب عن الكثيرين.
لقد تغير سلوكنا كمستخدمين. لم نعد نبحث عن مواقع لزيارتها، بل أصبحنا نبحث عن إجابات فورية. وهذا التحول البسيط في السلوك يهدد بقلب الموازين المالية للإنترنت رأساً على عقب.
القصة باختصار: نحن ننتقل من انترنت الروابط إلى انترنت الإجابات . وهذا الانتقال يضعنا أمام سؤال المليون: إذا توقفنا عن زيارة المواقع، فمن سيمول صناعة المحتوى في المستقبل؟
لفهم حجم هذا التغيير، دعونا نعود لبعض الإشارات المبكرة التي تجاهلناها جميعاً...
1. الإشارة الأولى: نبوءة الـ 50%
في عام 2019، خرجت إحصائية بدت وقتها مثيرة للجدل: 50% من عمليات البحث على جوجل كانت تنتهي بدون نقرة (Zero-Click Searches). في ذلك الوقت، كان لهذا الرقم مسببات مختلفة، منها أن عددا كبيراً من عمليات البحث لا يتطلب أي نقرة، مثل تفقد حالة الطقس أو سعر العملة، أو نتيجة مباراة فريقك المفضل، لكن كان من ضمن الأسباب الخفية: “المقتطفات المميزة” (Featured Snippets). كانت جوجل تحاول أن تكون مفيدة وتعطيك الإجابة السريعة. اعتبرنا ذلك حينها مجرد ميزة إضافية.
لكن اليوم، ونحن في 2026، تلك النسبة لم تعد 50% فقط، بل أصبحت هي الأساس. مع ظهور الـ AI Overviews في نتائج جوجل ووصولها لأكثر من ملياري مستخدم بحسب جوجل، بالإضافة لتطبيقات محادثة الذكاء الاصطناعي (مثل ChatGPT، Gemini، و Perplexity)، لم يعد المستخدم بحاجة لزيارة المصدر أصلاً. فتحولت محركات البحث من موزع للزيارات إلى وجهة نهائية.
2. فخ “الاستشهاد بالمصادر”
لنأخذ منصة مثل Perplexity كمثال حي. لدى التطبيق ميزة تشبه Google News، وهي عبقرية جدا للمستخدم، لكنها قاتلة للناشر. عندما تجد خبرا عن تحليل اقتصادي، ستقوم الأداة بقراءة مقال من The Economist أو Bloomberg، ثم تعيد صياغته لك في ملخص شامل، مع وضع رابط صغير للمصدر. من منظور المستخدم: “هذا رائع! حصلت على المعلومة ووفرت الوقت.” من منظور الناشر: “هذا كارثي!” لأنك قرأت محتواه دون أن تدخل موقعه، ودون أن ترى إعلاناته، ودون أن تزيد احتمالية اشتراكك على موقعه.
الحقيقة المرة: الاستشهاد بالمصدر يحفظ الحقوق الأدبية، لكنه لا يدفع رواتب الصحفيين والكُتاب. النقرات أو الزيارات هي العملة الوحيدة التي يعترف بها اقتصاد الويب الحالي.
3. أرقام المال لا تكذب (الربع الرابع من 2025)
أحب دائماً العودة للأرقام المالية لأنها لا تجامل. إذا نظرنا لتقرير أرباح الربع الأخير من 2025 لشركة جوجل، سنرى تبايناً واضحاً يروي القصة كاملة:
إيرادات بحث جوجل (Search Revenue): لا تزال قوية وتنمو. لماذا؟ لأن “البحث التجاري” (شراء هاتف، حجز طيران) لا يزال يتطلب نقرة لإتمام الشراء. الناس يريدون إتمام المعاملات، والـ AI لا يمكنه الشراء نيابة عنك (حتى الآن).
إيرادات شبكة جوجل الإعلانية (Google Network Revenue): هذا هو القسم المعني بالإعلانات التي تظهر على مواقع الناشرين والمدونات.
تشير الأرقام إلى انخفاض بنسبة تقارب 2% مقارنة بالعام الماضي (YoY). والذي بدوره كان أقل من العام السابق.
هذا الانخفاض المستمر منذ 2024 يؤكد نظرية واحدة: ويب المعلومات فقد جاذبيته، لأن الزيارات تتناقص.
4. مفارقة “الأوروبوروس”: هل يقتل الذكاء الاصطناعي نفسه؟
هنا نصل للمعضلة الفلسفية والتقنية. حيث تقول الاسطورة أن الأفعى عند الضيق تأكل ذيلها محاولة البقاء.. أو كما يقول الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد: لقد جُنّت! وعند الضيق! تلدغ نفسها العقرب!
تخيل الإنترنت مثل المتاهة:
قديماً: كان عليك دخول المتاهة والبحث في الممرات لتجد “الجبن” (المعلومة). أصحاب المتاهة يربحون من وجودك داخلها.
الآن: الـ AI يقف عند باب المتاهة ويسلمك الجبن فوراً. النتيجة؟ لا أحد يدخل المتاهة.
المشكلة أن الـ AI تدرب على خريطة المتاهة ومحتوياتها. إذا أفلس أصحاب المتاهة وتوقفوا عن بنائها وتحديثها... من أين سيحصل الـ AI على معلوماته في 2027؟ إذا قتلت النماذج اللغوية (LLMs) الويب المفتوح، فهي تقتل المصدر الذي تتغذى عليه. إلا إذا وصلنا لمرحلة الـ AGI (الذكاء الاصطناعي العام) حيث تستطيع الآلات توليد معرفة جديدة دون الحاجة للبشر، وهذا سيناريو آخر تماماً.
الخلاصة: انقسام الإنترنت
نحن لا نتجه نحو “موت الإنترنت” بالكامل، بل نتجه نحو انقسام عظيم:
ويب المعاملات: سيبقى ويزدهر. التجارة الإلكترونية والخدمات ستظل بحاجة لمواقع وتطبيقات.
ويب المعلومات: سيواجه خطراً وجودياً. المواقع التي تعتمد فقط على نشر المعلومات وبيع الإعلانات ستعاني بشدة.
القارئ اليوم يريد المعلومة بسرعة وبشكل مباشر. والناشر الذي لن يجد طريقة لبناء علاقة مباشرة مع جمهوره (بعيداً عن محركات البحث)، قد يجد نفسه قريباً ينفخ في قربة مقطوعة.
إذا وجدت هذا التحليل مفيداً، لا تنس الاشتراك لتصلك التحليلات والنشرات القادمة مباشرة إلى بريدك ولدعم الجهد المبذول في كتابتها.
تنويه: الآراء والتحليلات الواردة أعلاه هي شخصية ولا تمثل مكان عملي وكل البيانات والمعلومات التي تم تحليلها واستخدامها متوفرة للعامة.


